أبو علي سينا
272
القانون في الطب ( طبع بيروت )
وأما الذي سببه بخار متصاعد من عضو ، فيعرف من حال ذلك العضو الألم إن كان عضواً ، أو البدن كله إن كان شاملًا ، كما في الحمّيات المشتملة ، ويعرف هل هو ساذج أو مع مادة أو بخار ، فعلامات جميع ذلك مذكورة في باب الصداع . العلاجات : أما علاج المالنخوليا ، فسنذكره في باب المالنخوليا ، وأمّا علاج الاختلاط الكائن من الدم ، فينبغي أن يبادر به إلى الفصد ، وإلى جميع يعدّل الدم ، ويبرّده ، ويصلح قوامه . وأما الكائن من الصفراء والحمراء ، فعلاجه أن يبادر ويستفرغ ويبدّل المزاج ، إما من البدن كله ، وإما من الرأس خاصة ، ويستعمل التدبيرات والترطيبات المذكورة في القانون ، ويستعمل أضمدته بعد حلق الرأس ، وإن اشتدّ وقوي دبّر تدبير مانيا ، ومما يصلح لاختلاط الذهن الحار قيروطي مبرد من دهن الورد والخلّ على اليافوخ ، أو دهن البنفسج واللبن إن لم يكن حمى ، أو دهن الورد والخشخاش مع محاذرة انعطاف البخَارات . وإذا كان سهر فجميع الأطلية غير نافعة ، وربما أورثته حقن حادة فلا يستعطن ، فيزيد في الجذب ، بل اتّبع حقناً ليّنة . وأما الكائن بسبب شركة عضو ، فليستعمل فيه تقوية الرأس وتبريده والجذب إلى الخلاف ، وقد علم كل هذا في القوانين الماضية الكلّية والجزئية ، وإذا لم يكن مع الاختلاط ضعف وعلامات أورام ، فيجب أن يلطم صاحبه لطماً شديداً ، وربما وجب ضربه ليثوب إليه عقله ، وربما احتيج إلى أن يكوى رأسه كياً صليبياً إن لم ينفع شيء . ومن الأشياء النافعة له أن يصبّ على الرأس منه طبيخ الأكارع والرؤوس ، وكثيراً ما يعافيهم الفاشرا إذا سقوا منه أياماً كما هو ، أو في شيء آخر من الثمار والحلاوة مما يخفيه يستسره فيه ، فإنه نافع . فصل في الرعونة والحمق الفرق بين اختلاط الذهن وبين الرعونة والحمق ، وإن كانا آفتي العقل وكان السبب المحدث لهما جميعاً ، قد يكون واقعاً في البطن الأوسط من الدماغ ، إن اختلاط الذهن آفة في الأفعال الفكرية بحسب التغير ، والرعونة والحمق آفة بحسب النقصان ، أو البطلان ، وحاله شبيهة بالخرفية والصبوبة ، وقد عرفت أن أصناف آفات الأفعال ثلاثة . وأما أسباب هذا المرض ، فإما برودة ساذجة ، وإما مع يبس مشتمل على جوهر البطن الأوسط من الدماغ في طول الأيام والمدد ، وإما برودة مع بلغمية في تجاويف أوعيته . وإنما كان سبب هذا الضرب من البرودة ، ولم يكن من الحرارة ، لأن هذا ضرر بطلان ونقصان ، لأن الحرارة فعالة للفكرة التي هي حركة ما من حركات الروح ، فيحرك بها مقدم الدماغ إلى مؤخره وبالعكس ، والحرارة تثير الحركة